مرتضى الزبيدي

136

تاج العروس

وليسَ كذلك ، فإِنّ الضّمَّ إِنَّما هو في الوَاوِىّ كَيقُولُ ، من قَالَ قَوْلاً ، والكسْرُ إِنّما هو في اليَائِيّ كيَبِيعُ ، من بَاعَ ، وهي لُغَةٌ مَرْجُوحة ، أَنكرها جماعةٌ ، والفتح إِنّما هو في المَكْسُورِ الماضِي ، كَعَلِم يَعْلَم ، ونَظِيره من المُعْتَلّ خَافَ خَوْفاً . وزاد ابن القطاع وغيره : مِتَّ ، بالكسرِ في الماضي ، تَمُوتُ بالضَّم ، من شواذِّ هذا البابِ لِما قَرَّرْناه مَرّات : أَنّ فَعِلَ المَكْسور لا يكون ماضيه ( 1 ) إِلاّ مَفْتُوحاً كعَلِم يَعْلَمُ ، وشذّ من الصّحيح نَعِمَ يَنْعُم ، وفَضِلَ يَفْضُل ، في أَلفاظِ أُخَرَ ، ومن المُعْتَلّ العينِ مِتّ - بالكَسْر - تَمُوت ، ودِمْتَ تَدُوم . وجماعةٌ اقتصروا هنا على هذه اللُّغَةِ ، وجَعَلُوها ثالِثَةً ، ولم يَتَعَرَّضوا لماتَ كَباعَ ؛ لأَنّه أَقَلُّ من هذا ، ومنْهِمُ الشِّهابُ الفَيُّومِىّ في المِصْبَاح فإِنَّه قال : مات الإِنْسَانُ يَمُوتُ مَوْتاً ، وماتَ يَماتُ - من باب خاف ( 2 ) ومِتّ بالكَسْر أَمُوت ، لُغةٌ ثالثة ، وهي من بابِ تَدَاخُلِ اللُّغَتيْنِ ، ومثله من المُعْتَلِّ دِمْتَ تَدُومُ ، وزاد ابنُ القَطَّاع : كِدْتَ تَكُودُ ، وجِدْتَ تَجُودُ ، وجاءَ فِيهما تَكَادُ وتَجَاد . انتهى . قلت : وهو مأْخُوذٌ من كلامِ ابنِ سِيدَه ، وقال كُراع : مَاتَ يَمُوتُ ، والأَصْلُ فيه مَوِتَ بالكَسْرِ يَمُوت ، ونظيرُه دِمْت تَدُوم ، إِنما هو دَوِمَ . " فهو مَيْتٌ " ، بالتَّخْفيف ، " ومَيِّتٌ " ، بالتشديد ، هكذا في نسختنا ، والذي في الصّحاح تَقْدِيمُ المُشَدَّد على المُخَفَّفِ بضَبْطِ القَلَم . وماتَ " ضِدُّ حَيِيَ " ( 3 ) ، قال الأَزْهَريّ عن اللَّيْث : المَوْتُ خَلْقٌ من خَلْق اللهِ تَعالَى . وقال غيرُه : المَوْتُ والمَوَتَانُ ضِدّ الحياة . ومن المَجاز : المَوْتُ : السُّكُون ، يقالُ : " ماتَ : سَكَنَ " ، وكل ما سَكَنَ فقد مَاتَ ، وهو على المَثَل ، ومن ذلك قولُهم : ماتَت الرِّيحُ ، إِذا رَكَدتْ وسَكَنَتْ ، قال : إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ * فأَسْكُنُ اليَوْم وأَسْتَريحُ ومن ذلك قولُهم ؛ ماتَت الخَمْرَة : سَكَن غَلَيَانُها ، عن أَبي حنيفةَ . ومن المَجازِ أَيضاً : مات الرَّجُلُ ، وهَمَدَ ، وهَوَّمَ إِذا " نَام " ، قاله أَبو عَمْرو . ومن المجاز أَيضاً : ماتَت النّارُ مَوْتاً : بَرَدَ رَمادُها ، فَلَمْ يَبْقَ من الجَمْر شَيْءٌ . وماتَ الحَرُّ والبرْدُ : بَاخَ . وماتَ الماءُ بهذَا المَكَان ، إِذا نَشَّفَتْهُ الأَرْضُ . وماتَ الثَّوْبُ " بَلِىَ " ، وكلُّ ذلكَ على المَثَل . وعبارَةُ الأَساس : ومات الثَّوْبُ : أَخْلَقَ ، وماتَ الطَّريقُ : انْقَطَع سُلوكُه ، وبلدٌ يَمُوت ( 4 ) فيه الرِّيح ، كما يُقَالُ : تَهْلِكُ فيه أَشْواطُ الرِّياح . ومات فَوْقَ الرَّحْل : اسْتَثْقَلَ في نَوْمِه ، كلُّ ذلك على المَثَل . وفي اللّسان - في دعاءِ الانْتباه - : " الحَمْدُ للهِ الّذِي أَحيانَا بعد ما أَماتَنا وإِلَيْه النُّشُورُ " سَمَّى النَّومَ موْتاً ؛ لأَنّه يزولُ معه العَقْلُ والحَركةُ ، تمثيلاً وتَشْبيهاً ، لا تحْقيقاً . وقيل : المَوْتُ في كلام العَرَب يُطْلَقُ على السُّكُون . وقالَ الأَزْهريّ - ومِثلُه في المُفْردات لأَبي القَاسم الرَّاغب - ما نَصُّه ( 5 ) : الموتُ يَقَعُ على أَنْواعٍ بحَسَبِ أَنواعِ الحَياة ؛ فمنها ما هو بإِزاءِ القُوَّةِ النّامِيَةِ المَوْجُودَةِ في ( 6 ) الحَيَوان والنّباتِ ، كقولِه : تَعالى : " يُحْيِى الأَرْضَ بعْد موْتِها " ( 7 ) ومنها : زَوالُ القُوَّةِ الحِسِّيَّةِ ( 8 ) كقوله تعالى : " يَالَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هذَا " ( 9 ) ومنها : زَوالُ القُوَّةِ العَاقِلَة ، وهي الجَهَالَةُ ؛ كقوله تعالى : " أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فأَحْيَيْناهُ " ( 10 ) " فإِنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى " ( 11 ) .

--> ( 1 ) كذا ، وهو خطأ والصواب مضارعه . ( 2 ) في المصباح : من باب خاف لغة . ( 3 ) في القاموس : ضد حي . ( 4 ) الأساس : تموت . ( 5 ) الأصل واللسان والمفردات ، ولم يرد في التهذيب . ( 6 ) اللسان ، وفي المفردات : في الإنسان والحيوانات والنبات . ( 7 ) سورة العنكبوت الآية 50 . ( 8 ) اللسان ، وفي المفردات : القوة الحاسة . ( 9 ) سورة مريم الآية : 23 . ( 10 ) سورة الأنعام الآية 122 . ( 11 ) سورة الروم الآية 52 .